كل صباح، بين الفينة والأخرى، أقلب صندوق الرسائل، أبحث عن شيء ما، لا أعثر سوى على ورقة الأداء، بالطبع الفاتورة المشؤومة للماء والكهرباء..
نحن المغاربة جميعا رزئنا بمصاب جلل، ماذا لو احتفلنا جميعا باليوم الوطني للشمع، وهي مناسبة لرد الاعتبار للرومانسية، فضوء المصباح يؤلمني في رأسي، أليست قبلات العاشقين تشتعل على قطرات الشمع؟
المغاربة لا يشتكون من الفواتير لوحدها، بل يشتكون من كل شيء، الرجل يشتكي من زوجته لأنها لا تضع أحمر الشفاه والعطور المثيرة إلا عندما تريد الخروج لقضاء أغراض البيت، وحده الشارع و”فقهاء” المقاهي من يسرق لحظات حميمية بنظراتهم التي تضرب بقوة كالمسدس في اتجاه الهدف- المنطقة التي لا زال الخلاف قائما حولها منذ القِدم.
والزوجة هي الأخرى تشتكي من زوجها الذي يقضي معظم وقته يبحث في العالم الأزرق عن صور “ملهمة” ليس بالضرورة للإشباع الجنسي، قد يكون من أجل “الجِماع الذهني” حسب تعبير نيتشه، المهم إنه نوع من الهروب من “عدوانية الروتين القاهر” والبحث في جلالة “غوغل” عن متنفس في بيت افتراضي وعن كلمات تعيد رجولة منهوكة في بيت الزوجية، والتي تعتبرها الزوجة قلعتها المحصنة والتي يجب على الرجل الخضوع لقوانينها جملة وتفصيلا.
ويستمر التعايش-الصراع، بين الطرفين في صمت.
الآباء يتجرعون المُرَّ مع أبنائهم، الأب قصيدة عمودية، والإبن قصيدة حرة، الأب يجر تاريخا من الجوع والسخرة والخنوع، يريد أن يغتال هذا التاريخ، بريد أن يعوضه بجرة قلم، يسعى بكل ما يشعر به من ضعف أن يرمي هذا الإرث في القمامة، وأفضل طريف للتحرير هو” الترّيكة” من الأبناء الذين لا يجب شحنهم بقصائد ثورية، مملة، يجب حملهم على الظهر ولو كان مقوسا منذ الولادة إلى عمر التخرج دون أن نزعجهم، نودعهم بالورود ونستقبلهم بالزغاريد، نعلن حالة الطوارئ طول الوقت لنجدتهم من المجهول، ونحرص كل الحرص ألا يتم إدراجهم في براثين النضال، نصرف تم نصرف بإسراف نودع كل ما يربطنا بالحياة من جمال من أجل سواد عيونهم، ونخترع مفردات من قبيل الأبوة والتضحية، فينصرفون بشراهة للمتعة والتسلية، فيحفظون جيدا قصائد الكسل، ويطلبون المزيد، المزيد في كل شيء، فيبكي الآباء من الداخل بكاء شديدا عندما يكتشفون أنهم صنعوا أصنام من ثلج، تذوب مع أول ضربة شمس، فيشكون أمرهم لله خفية حتى لا يشمت فيهم الأعداء.
المواطنون يكيلون سيلا من السب للإدارة، بالتحديد إلى الحكومة “الكافرة” التي تعبث بمطالبهم الصغيرة، يشكون قلة حيلتهم في مواجهة الأسعار الصاروخية. يصرخون ويشتد صراخهم في وجه أصحاب الحوانيت بسبب ندرة وغلاء “الميكا البيضاء” وماذا عن الخروج للشارع للإحتجاج ضد القرارات اللاشعبية؟
هذا أمر لا يهمهم لا من قريب أو بعيد، هذه فكرة هدّامة على حد تعبيرهم لا يجب التفكير فيها بالمرة لأنها سوف تضر باستقرار البلد، الأهم هو أن يتعايش المأزوم مع الأزمة، كما يتعايش المريض مع المرض حتى يأتيه الأجل، لا بأس، الفرص كثيرة فإن لم يتحقق منها شيء في الأرض، فيمكنهم تنزيلها في السماء.
السياسيون يشتكون من المواطنين، لأنهم مضربون عن السياسة بسب جهلهم وقله وعيهم حسب اعتقادهم ويطلبون منهم في كل استحقاق انتخابي أن ينزلوا معهم إلى الغدير ليستحموا معهم عراة في هذا العفن، المواطن كوّن قناعة راسخة عن السياسيين ويعلن جهرة أنه لا يثق في أحد منهم، وأنه سيقاطع هذه المسرحية حتى يعود المخزن إلى رشده..
والمخزن طفل عاق، ومع توالي الخيبات فطن هذا المواطن البسيط، أن السياسة امرأة عاهر تفتح رجليها لكل من يدفع أكثر.
السياسيون أنفسهم يشتكون بعضهم البعض، ينعتون بعضهم بعضا بأحقر النعوت، منهم فئة أصبحت متخصصة في صناعة قواميس الكلام الفاجر، ومنهم من فتح جريدته الصفراء للطبخ السريع لجلد الخصوم، واختراع الفضائح والنفخ فيها من أجل أن تكون المائدة أكثر إثارة للدهشة، وعندما يرتفع الدخان إلى الأعلى يطالبون بالتدخل الملكي، ولماذا لا التحكيم الملكي حتى تكون الفرجة أكثر تشويقا وإمتاعا؟
الكتاب والمثقفون، أنبياء الكلمة الرفيعة، حاملو هموم المجتمع وأوجاعه، لا يتوقفون عن الشكوى من كل شيء، من دور النشر، ومن الساهرين على الشأن الثقافي، ومن القراء البخلاء الذين لا يقرأون ولا يشترون الكتب، وعندما يتعبون من البكاء والعويل، يبدأون في الهجوم على بعضهم البعض بأبشع ما أنتجت البشرية من كلمات سافرة ومسمومة، ولا يقف الأمر عند هذا الحد الساقط، فقط، يبدأ مسلسل التشويق بإخراج بلاغات التخوين والاتهامات بالسرقة الأدبية والعمالة لجهات مشبوهة، والغريب في الأمر الكل يسهب في مرافعاته ويزخرفها بقصائد يدافع فيها عن “الفتاة المغتصبة والقاصر”، الملقبة بالثقافة، الضحية الأولى في صراع مرير على موائد صغيرة.
مع توالي الأيام أصبحت متوجسا من البحث في صندوق الرسائل، لا أستطيع أن أمد يدي كأنه غار للعقارب والثعابين، كلما اقتربت منه أتصور أنني قد أصاب بلسعة قاتلة من إحدى الفواتير المباغتة، وماذا عن الرسالة التي أنتظرها بفارغ الصبر؟ ربما فطنت للأمر، وتعلمت أنه حان الوقت للخروج من حلقة الانتظار ونفض الغبار، يكفينا من الشكوى، وجلد الذات، حتى لا تكون الفاتورة كبيرة المرة القادمة، فيضيع معها المستقبل والقادم من الأجيال.
from okhbir http://ift.tt/2ivkQWt
via IFTTT
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ
مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ